الذكرى السنوية السادسة لاستشهاد عبد الرحمن عايش تمنّاها فنالها قبل " زغاريد الانتصار "

قاوم / قسم المتابعة / "دقيقة" فقط ، إنها ذلك الفاصل الخفيّ بين "اللقاء" و"إلى اللقاء".. هي "الجُرحُ" في نبضِ العقارب.. هي القدر في تلك المساحة الزمنية "العجفاء" بين "عرس النصر" و"الشهادة"! المكان: غزة/ حي الشيخ رضوان.. هناك حيث "رعد" القذائف أحرَق أنّات الثكالى.. الزمان: ليل الأربعاء 21-11-2012م، الساعة التاسعة إلا دقيقتان ، "وهل الدقيقتان في عُمْر "الدهر" شيء يحكَى فيه؟. 
الحدث: فاطمة التي أحكمت ذراعيها تطوِّقُ أبناءها عبد الله ويحيى ومريم، غلبَها النعاس وقد أمّلت نفسها بليلةٍ "هادئةٍ" مبدئياً بعد "دقيقتين" فقط.. فـ"اتفاق التهدئة" يسري مفعوله عند "التاسعة". 
في زاويةٍ ثانية بدا زوجها عبد الرحمن عايش "قلِقاً" ينتظِر.. وغاب عقله يبكي 161 شهيداً كانوا ارتقوا حتى "لحظتها" خلال ثمانية أيام هي "سنُّ" الحرب الجديدة.. وكعادتها قفزَت فاطمة "من بداية غفوة" هلعاً، بعد أن سمعت رنين هاتفه المحمول يصدح بأنشودة "جهاد".. "وهل هذا وقتُه؟" سألت فاطمة، فإذا بعبد الرحمن يشير إليها من بعيد :"هششش".. ساعتَها نظرت بِحيرة، وقد سمعت زوجها يقول للمتصل :"انتظرني في الأسفل، ها أنا قادم".. ثم نادَت :"إلى أين؟"، فأجابها :"سأعود"! وأعلنت العقارب التاسعة.. وقبلَها بدقيقةٍ فقط "كانت الفاجعة".. إنها تلك "الدقيقتان".. تلك "البرهة" القصيرة التي حملت "أمراً" كان مقضيّاً بين "كاف" الله و"نونه"..! لقد استشهد عبد الرحمن! تقول فاطمة :"عندما خرج عبد الرحمن، استمرّ الوقت يمضي، وعيوني تعدُّ الثواني حتى مضت دقيقةٌ جديدة.. لقد كانت حقاً الليلة الأصعب منذ بدء العدوان، وكان الوقت المتبقي لبدء التهدئة ملعباً تحرك صواريخ الحرب فيه الكرة كيفما شاءت وأينما شاءت".. إنها التاسعة إلا "دقيقة".. اهتزّت النوافذ فجأة، وخلَعَ "الخوف" القلوب، وارتجت الأرضُ تحت فاطمة التي صرَخت بلا شعور "عبد الرحمن".. عن تلك اللحظة تضيف :"حدّثتُ نفسي عن أن هذه الدقيقة المتبقية لن تغادر وبرفقتها "اسم شهيدٍ" جديد يذيعه الراديو، واطمأن قلبي لولا صرخات الجيران التي بدا فيها اسم "عبد" جليّاً.. جلياً جداً". 
وعلى الرغم من أنها سمعت "الاسم" إلا أن شيئاً ما كان يحدّثها أنه "لا"، "إنهُ قصفٌ في أرضٍ خالية.. لقد وصل عدد الشهداء إلى 161.. لن يرتفع العدد بإذن الله.. مستحيل أن يكون عبد الرحمن هو شهيد آخر الوقت.. مستحيل". 
وتكمل: "في تلك اللحظة دار بي شريط ثمانية أعوامٍ عشتُها معه، كان فيها رجلاً لا "رجُل" في عمري غيرُه، لقد كان زوجي وأبي والصدر الذي كلما اشتدّ ضيقي تلقّى من روحي الدمعَ ، مبشِّراً بفرجٍ للصابرين". 
تزوجت فاطمة من عبد الرحمن وهي في عمر 13 عاماً، لكنه لم يسمح لها أبداً بترك المدرسة، وأصرّ على أن تكمل دراستها في بيته، حتى الجامعة! نعم.. لقد طلب منها مراراً أن تدرس الكيمياء أو الفيزياء، وأتاح لها كل الظروف حتى يتحقق لها ذلك.. تردف :"كان عبد الرحمن يحمل عني كل ثقل الدنيا، فلا يسمح لي بمسّ شيءٍ في البيت طوال فترة الدراسة.. الغسيل والطهو والكيّ.. حتى تقشير السمك وقليه، وعندما بدأت الثانوية العامة جلب لي مدرسين خصوصيين لكل مادة صعبة". 
وأضاف وبعد ثلاث دقائق وأكثر من البكاء المتواصل عقّبت :"كان يتمنى الشهادة دوماً، ويقول لعبد الله ابن الأعوام الستة إذا ما خاف :"أنت رجل من ظهر رجل، والمؤمن لا يخاف أبداً""، متابعةً :"كان دوماً يوصيني بالحفاظ على الصلاة، ويعلم أبناءه أبجدياتها، فيؤمّهم كلما أتيح له ذلك". 
تلك الدقيقة الأخيرة التي لم تتوقع فاطمة أبداً أن تكون "فارقاً" بين زمنٍ كانا فيه معاً، وآخر هو "قادم" لا تعرف ما يقدر لها الله فيه.. ولكن الشيء الوحيد الذي تعرف أنها ستمضي فيه ولن تتوانى أن تحقق له "الوصية" فتحظى بشهادة الجامعة التي قال لها يوماً إنها ستردُّ عنها "ذل السؤال" إن كتَبَ له الله الشهادة.