وإن خفتم شقاق بينهما

من الآيات المتضمنة لحكم ما ينتاب الحياة الزوجية من شقاق ونفار قوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا} (النساء:35) هذه الآية من الآيات الأصول في الشريعة، وقد استنبط العلماء منها جملة من الأحكام المتعلقة بموضوع الآية، نقف على أهمها في المسائل التالية:

المسألة الأولى: قوله سبحانه: {وإن خفتم} أي: علمتم شقاق بينهما؛ فأمر الله سبحانه ولاة الأمر عند العلم بالشقاق بينهما، وعدم معرفة الظالم منهما، بأن يبعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها، ليطلعا على باطن أحوالهما، وحقيقة أمرهما، فيحكما بينهما. والخطاب في الآية عند جمهور أهل العلم للحكام وولاة الأمر.

المسألة الثانية: ظاهر الأمر في قوله تعالى: {فابعثوا} أنه للوجوب، وبه قال الشافعي؛ لأنه من باب رفع الظُّلامات، وهو من الفروض العامة الواجبة على الولاة؛ ومن هنا قال أهل العلم: "إذا علم الإمام من حال الزوجين الشقاق، لزمه أن يبعث إليهما حكمين، ولا ينتظر أن يرفعا أمرهما إلى ولاة الأمر؛ لأن ما يضيع من حقوق الله أثناء ما ينتظر رفعهما إليه لا جبر له".

المسألة الثالثة: قوله تعالى: {حكما من أهله وحكما من أهلها} التقييد بكونهما من أهلهما يقتضي أنه لا يجوز أن يكونا من غير أهلهما، وبهذا قال المالكية. ومذهب الشافعية أنه يستحب أن يكون الحكمان من أهلهما. ويشترط في الحكمين أن يكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه، فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك، فيرسل من غيرهما عدلين عالمين، وذلك إذا أشكل أمرهما، ولم يُدرَ ممن الإساءة منهما. فأما إن عُرف الظالم، فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه، ويجبر على إزالة الضرر.

المسألة الرابعة: اتفق العلماء على أن قول الحكمين في (الإصلاح) نافذ، وإن كان بغير توكيل من الزوجين؛ لقوله تعالى: {إن يريدا إصلاحا} فقرن سبحانه بينهما في الإرادة، ولهذا أجمعوا على أنه لا ينفذ قولهما إن اختلفا.

المسألة الخامسة: اختلف العلماء في الحكمين إذا أرادا التفريق: فمذهب المالكية أن للحكمين التفريق بغير رضا الزوجين، إن رأياه، فيبذل الذي من أهلها العوض، ويُطَلِّق الذي من أهله، وهو أحد قولي الشافعي. ومذهب أبي حنيفة، والشافعي في القول الآخر، ورواية عن أحمد، أنه ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق؛ لأنهما وكيلان عنهما، ولا بد من رضى الزوجين فيما يحكمان به.

حجة المالكية ومن وافقهم، أن الله سبحانه سماهما حكمين، وقد جعل الله سبحانه إلى الحكام التفريق، وإن لم يرض الزوج؛ كالملاعن والمريض مرضاً لا يستطيع معه الجماع. قال ابن العربي: "والآية نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان، لا وكيلان، ولا شاهدان. وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحَكَم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله كل واحد منهما، فلا ينبغي لشاذ -فكيف لعالم- أن يركب معنى أحدهما على الآخر، فذلك تلبيس وإفساد للأحكام، وإنما يسيران بإذن الله، ويخلصان النية لوجه الله، وينظران فيما عند الزوجين بالتثبت، فإن رأيا للجمع وجهاً جمعا، وإن وجداهما قد أنابا تركاهما".

وحجة من قال: إن أمر التفريق عائد للزوجين، أن الله تعالى لم يضف إلى الحكمين إلا الإصلاح {إن يريدا إصلاحا} وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوض إليهما؛ ولأنهما وكيلان، ولا ينفذ حكمهما إلا برضى الموكل.

قال الجصاص وهو من الحنفية: "قال أصحابنا: ليس للحكمين أن يفرقا إلا أن يرضى الزوج؛ وذلك لأنه لا خلاف أن الزوج لو أقر بالإساءة إليها، لم يفرق بينهما، ولم يجبره الحاكم على طلاقها قبل تحكيم الحكمين، وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز، لم يجبرها الحاكم على خُلع، ولا على رد مهرها، فكذلك بعد بعث الحكمين، لا يجوز إلا برضى الزوجين". وهذا اختيار الطبري؛ إذ قال: "وليس للحكمين ولا لواحد منهما الحكم بالفرقة بينهما، ولا بأخذ مال إلا برضى المحكوم عليه بذلك".

المسألة السادسة: الفراق في ذلك طلاق بائن؛ فإن طلقا ثلاثاً لا تلزم إلا واحدة، وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة. وتكون الفرقة بينهما لوقوع الخلل في مقصود النكاح من الإلفة، وحُسن العشرة.

المسألة السابعة: إن اختلف الحكمان، لم ينفذ قولهما، ولم يلزم من ذلك شيء إلا ما اجتمعا عليه. وكذلك كل حكمين حكما في أمر؛ فإن حكم أحدهما بالفرقة، ولم يحكم بها الآخر، أو حكم أحدهما بمال، وأبى الآخر، فليسا بشيء حتى يتفقا.

المسألة الثامنة: إذا اتفق الحكمان على حكم، جاز إرسال أحدهما إلى الزوجين. قال القرطبي: "وإذا جاز إرسال الواحد، فلو حكَّم الزوجان واحداً لأجزأ، وهو بالجواز أولى، إذا رضيا بذلك، وإنما خاطب الله بالإرسال الحكام دون الزوجين. فإن أرسل الزوجان حكمين، وحكما، نفذ حكمهما، إذا كان كل واحد منهما عدلاً".

المسألة التاسعة: قال العلماء: إذا كانت الإساءة من قِبَل الزوج، فُرِّق بينهما، وإن كانت من قِبَل المرأة ائتمناه عليها، وإن كانت منهما، فرقا بينهما على بعض ما أصدقها من مال أو متاع أو غيرهما، ولا يستوعبانه له وعنده بعض الظلم.

تم ارسال التعليق