فلولا أنه كان من المسبحين

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، شعار المؤمنين، ودثار المتقين، ووصية الله تعالى للناس أجمعين.

فاتقوا الله عباد الله.. واعلموا أن من علامات حسن الإسلام، وكمال الإيمان، وامتلاء القلب بحب الرحمن، أن يلجأ الإنسان إلى الواحد الديان في جميع الأحوال وعلى مدار الأزمان.

فهو يتعرف إلى ربه ويتقرب إليه ويتودد إليه في سرَّائه وضرَّائه، وشدَّته ورخائه، وعافيته وبلائه، كذلك في صحته وسقمه، وغناه وفقره، وشبابه وهرمه، وفي كل حال.

واعلموا أيضا ـ حفظكم الله ـ أن مواظبة المسلم على الطاعة في السراء، وملازمته للعبادة عند الرخاء، سبب عظيم لإجابة دعائه عند الشدائد والمصائب والبلاء. كما قال سيد العقلاء وإمام الأنبياء: [من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد، فليكثر الدعاء في الرخاء](رواه الترمذي: وهو حسن).

وهذه وصية النبي صلى الله عليه وسلم للأمة كلها في شخص ابن عباس، حين قال له وهو يعلمه أصول الإيمان وقواعد الإسلام: " احفظ الله يحفظك.. إلى أن قال: .... [تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة](رواه أحمد والترمذي).

أي إذا أردت أن يحفظك الله في الشدائد والمحن، ويدفع عنك ما تكره من الرزايا والنقم، ويحفظ عليك دينك من مضلات الفتن، فتعرف عليه في حال رخائك، فإن العبد إذا اتقى الله في حال الرخاء، وحفظ حدوده، وتلمس حقوقه، وأطاع أوامره، واتبع شرعه، صارت له بالله معرفة خاصة، ومحبة ومودة تستدعي أن يحفظه الله في حال شدته كما هو مدلول الحديث القدسي: [وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه](رواه البخاري).

ولذلك لما قال رجل لأبي الدرداء: أوصني، قال له: "اذكر الله في السراء يذكرك الله عز وجل في الضراء".
وقال: "ادع الله في يوم سرائك، لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك".
وقال الضحاك بن يونس: "اذكروا الله في الرخاء، يذكركم في الشدة".

وقد ذم الله أقواما لا يعرفونه ولا يدعونه إلا حال الشدائد وحلول المصائب، فإذا نجاهم منها وعافاهم وسلمهم نسوه وأعرضوا عنه كأن لم تكن بهم شدة ولا بأس. يقول الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كأن لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون}(يونس)، ويقول: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ۚ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ۖ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}(الزمر:8). وقال جل قائلا عليما: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}(العنكبوت:65، 66)، ويقول أيضا: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ}(لقمان:32)

وقد ضرب الله تعالى في كتابه مثلا للفريقين ـ أعني بين من يعرف الله في سرائه وضرائه، فهو يتقرب إليه بأنواع القربات، وصنوف العبادات، والأعمال الصالحات، والبر والصلة والإحسان وفعل الخيرات، وبين من يكون حال رخائه ويسره في صدود وإعراض ولهو وغفلة، وخطايا وعصيان ـ فالفريق الأول مثله يونس بن متى، والثاني فرعون عليه اللعنة. 

كلاهما قاسى شدة متشابهة، وعاين أهوالا متقاربة، وكلاهما دعا .. ولكن شتان شتان ما بين الإجابتين والخاتمتين والعاقبتين.

هذا يونس بن متّى نبي الله يسقط في لجج البحار فيبتلعه الحوت، فهو في ظلمة جوف الحوت، وفي ظلمة جوف البحر، وفي ظلمة الليل.. ظلمات ثلاث، فلا أحد يعلم مكانه، ولا أحد يسمع نداءه وكلامه، إلا من لا تخفى عليه خافية، ولا تغيب عنه غائبة، فدعا ربه ونادى في الظلمات: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}[الأنبياء: 87].

ماذا كانت النتيجة؟ قالت الملائكة: صوت معروف في أرض غريبة، هذا يونس لم يزل يرفع له عمل صالح ودعوة مستجابة. وجاء الجواب الرباني: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}[الأنبياء:88].

لماذا؟ قال تعالى {فلولا أنه كان من المسبحين} أي حال رخائه وقبل بلائه، ولولا ذلك لعاقبناه وتركناه {للبث في بطنه إلى يوم يبعثون}، فأنجاه سابق عمله وحسن صنيعه {فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون}، فما زالت نعم الله وألطافه تترادف عليه وتتوالى.. قال تعالى: {وكذلك ننجي المؤمنين}. 
قال الحسن البصري: "قدم عملاً صالحًا في حال الرخاء فذكره الله في حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه فإذا عثر وجد متكأً".

وأما فرعون فقد وقع فيما وقع فيه يونس، فانطبق عليه البحر، فنادى ولكن شتان ما بين المناديين، قال فرعون: {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس:90]، وكانت الإجابة: {آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين}[يونس: 91].

كيف نجعل من كان حال رخائه من المسبحين، صلاة ودعاء ودعوة وعملا صالحا، وبين من كان من الكافرين والظالمين والفاسقين والجاحدين والغافلين؟.. لا يستوون.
هذه قاعدة ثابتة وقانون عام (من تعرف إلى الله في السراء، عرفه الله تعالى في الضراء.. ومن كان مع الله حال رخائه، كان الله معه عند بلائه).

مواقف عجيبة
لم تكن استجابة الله لدعوات أنبيائه ورسله فقط هي شواهد هذه القاعدة وهذا القانون الرباني، كما هو الحال في استجابته لأيوب في بلائه، ويونس في ضرائه، وزكريا عند طلب الذرية والولد، ولإبراهيم إذ ألقاه قومه في النار، ولمحمد صلى الله عليه وصاحبه ليلة الهجرة وإذ هما في الغار. وإنما كان المسبحون الصادقون دائما في حفظ الله ورعايته عند الشدائد والابتلاءات.

لما هرب الحسن البصري من الحجاج دخل بيت حبيب أبي محمد، فقال حبيب: يا أبا سعيد، أليس بينك وبين ربك ما تدعوه به فيسترك من هؤلاء؟ ادخل البيت. فدخل، ودخل وراءه الشرطة، فجعلوا يبحثون عنه، فلم يروه، فذكر ذلك للحجاج فقال: بل كان في البيت، إلا أن الله طمس أعينهم فلم يروه.

والثلاثة الذين دخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة فأغلقت عليهم الباب، فدعوا ربهم بسالف صالح الأعمال، فمازال يفرجها عليهم شيئا فشيئا حتى نجاهم وخرجوا يمشون.

شدائد لابد منها
لئن كان بعض الشدائد قد يخطئ بعض الناس، فيغتني ولا يفتقر، وربما البعض يعافى ولا يمرض، وربما يجنبه الله كثيرا الابتلاءات والفتن.. غير أن هناك شدائد لن يخطئها أحد من الناس أو يسلم منها: فالموت وكربته، والقبر وظلمته وفتنته، والصراط وزلته، ويوم القيامة وأهواله وشدته.. كلها مواقف وكرب وشدائد ستأتينا حتما وتحتاج منا أن نقدم لها ونعد لها. وإن خير ما نلقى به هذه الشدائد معرفة الله في الرخاء، وعبادته في السراء وقبل نزول هذا البلاء، وفي كل هذه المواقف شتان بين من عرف الله قبل وقوعها ومن غفل عنه وأعرض.

فعند الموت تتنزل الملائكة على أهل الإيمان والطاعة والعبادة تطمئنهم وتبشرهم: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}[فصلت:30].

وعند نزول القبر ولقاء الملكين يأتي التثبيت من الواحد الأحد لأهل الإيمان: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}(إبراهيم:27).

وفي القيامة وعلى السراط {نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم}، وتكون عاقبتهم الجنات، والسبب: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}(الذاريات)، و أيضا: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ}(الطور).

فالعبد الناصح لنفسه هو الذي يجعل بينه وبين الله عملاً صالحًا صادقًا، أو أعمالاً يدعوه بها إذا أصابه ضر أو نزل به كرب وشر.
{ومن يتق الله يجعل له مخرجا}.. {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا}.

فتعرفوا على الله في الرخاء يعرفكم في الشدة.

تم ارسال التعليق