الإسقاط

​الاستدراج بـ”النساء والمال” سلاح مخابرات الاحتلال للابتزاز الإلكتروني

قـــاوم _ قسم المتابعة / بعد انتهاء العدوان الصهيوني على قطاع غزة سنة 2014، دشنت مخابرات الاحتلال موقعا إلكترونيا تحت اسم مستعار لمؤسسة تقدم المساعدات لتعويض المتضررين، تطلب معلومات تفصيلية عن السكن وأفراد الأسرة.

أحمد كريم (اسم مستعار) لشاب من غزة قدم معلوماته لهذا الموقع، وبعد فترة تواصلت معه فتاة على أنها من المركز وتريد استكمال جمع البيانات، من ضمن الأسئلة كانت تتحدث عن سبب استهداف المنزل، وهل تحته نفق للمقاومة، أو أطلق صواريخ من جانبه، متذرعة له عندما شك من الأسئلة بأن الجهات الداعمة تشترط ألَّا يكون هناك أعمال مقاومة.

كان أحمد شديد الحرص بأنه يريد الحصول على التعويض، لكن بعدما شعر بإصرار تلك الجهة على الأسئلة حول موضوع المقاومة، زاد شكه بأن يكونوا من مخابرات الاحتلال، ورفض التعاون واستكمال تقديم البيانات.

خالد محمد (اسم مستعار) شاب عشريني من غزة لديه حساب شخصي على مواقع التواصل الاجتماعي، تعرف على فتاة ونسج معها علاقة، مع مرور الوقت تطورت وبدأ بتبادل الصور وتكشف الوجوه في المحادثات، وبعد أربعة أشهر من حب وهمي، وصل خالد طلب إضافة من شخص وعرف عن نفسه بأنه ضابط مخابرات ويمتلك محادثات وصور له هدده إن لم يتعاون معهم سيتم فضحه.

كان خالد مترددا خائفا ضعيف الشخصية في مواجهة الضغط لكون أن هناك صورًا لا يود أن تنشر عنه، وبدأ بالتعاطي مع ضابط المخابرات، لمدة ثمانية أشهر زاد نشاطه أيام العدوان الصهيوني على غزة، قرب مواقع المقاومة، ما جعل الأجهزة الأمنية في غزة تشتبه به، ومن ثم اعتقاله وهو عائد من مقابلة مع مخابرات الاحتلال.

“الأهواء والرغبات الشخصية”

هذه القصة هي واحدة من بين الكثير من القصص التي تحدث لسهولة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، مما يتطلب عمليات توعية واسعة للجمهور الفلسطيني في قطاع غزة بكيفية الاستخدام الآمن لتلك المواقع.

أحمد محمود (اسم مستعار) شاب يبلغ 17 عاما رسم له والده حلم بأن يصبح طبيبا، جهز له غرفة خاصة وجهاز حاسوب ليعزله عن أصدقائه ويشغله، لكن كانت العزلة مستنقعا مع الأهواء والرغبات الشخصية التي بدأت تسيطر على تفكير أحمد، حتى نسج علاقة على الانترنت مع فتاة اسمها “مي”.

كان من السهل على مي الحصول على أي معلومة من أحمد الذي لم يشك أن تكون ضابط مخابرات، فأخبرته أنها تريد أن تعرفه على خالها، وانتقل أحمد دون أن يعرف من ضباط الربط إلى ضابط التشغيل، بداية لم يكن أحمد يصلي، فبدأ الضابط بتعليمه الوضوء والصلاة طالبا منه الذهاب لمسجد حدده بمخيم النصيرات وسط القطاع.

وحدثت حينها حادثة اغتيال بالمنطقة القريبة من المسجد بمخيم النصيرات وسط القطاع كان الضابط قد استفسر بمعلومات عنه من أحمد، ومن ثم اتهم أحمد بأنه سبب الاغتيال، وكشف عن وجهه أنه ضابط مخابرات، مع أن أحمد لم يتعاون أو يقدم معلومات والقت الأجهزة الأمنية القبض على العميل الحقيقي المتسبب بعملية الاغتيال، لجأ أحمد إلى أمه وأخبرها، ومن ثم أخبرت والده، الذي بدوره أحضر ابنه للجهات الأمنية وحلت الأمر وأنقذت أحمد قبل الوقوع بوحل العمالة، وأعطته إرشادات أمنية كي لا يكرر الخطأ مرة أخرى.

وفي قصة أخرى، استطاعت مخابرات الاحتلال الوصول لصور حساسة لزوجة حسام (اسم مستعار) بملابس غير محتشمة، واتصلت به وهددته للتعاون كي لا يتم فضح ذلك، ارتبك حسام ولم يعلم كيف تم الوصول لتلك المعلومات والصور وبدأ يتواصل معهم مقابل عدم نشر الصور وإغرائه ببعض الأموال.

استطاع ضابط المخابرات استغلال بساطة عقل هذا الشاب وضعف شخصيته الأمر الذي سهل على المهاجمين الإيقاع به بالفخ، وارتباطه وجرت عملية اكتشافه مؤخرا، ما يستدعي عدم الاحتفاظ بالصور الخاصة بالهواتف المحولة والحواسيب لأنها عرضة للاختراق.

“المصادقة والتعارف”

ومن خلال البحث، يتبين أنه لم تنشر حالة عن نشر ضباط مخابرات الاحتلال أي مادة عن شخص تعرض للابتزاز، كون أثر التهديد بها أقوى من استخدامها، وأن عملية نشرها ينهي عملية ربط المستهدف معهم، وخاصة أن عملية النشر ستزيد من حرص الناس.

ولا يعتمد الابتزاز الإلكتروني على الوضوح والمكاشفة، بل هو تجنيد وهمي قائم على أساس المصادقة والتعارف والاستكشاف خلالها يتم سقوط بعض المعلومات أو الحصول على صور من المستهدف، بعد التوريط تصبح هناك علاقة خشنة، وإمعان في التوريط.

الأمر المفقود في قطاع غزة هو عدم وجود مراكز مدنية تتبع لوزارة الداخلية مهمتها استقبال شكاوى الابتزاز الإلكتروني بعيدا عن مراكز الشرطة ، والأمر الآخر عدم وجود مراكز دراسات وإحصائيات تعطي قياسات عن الظاهرة التي لا تزال غامضة، مما حد من القدرة على جمع معلومات عنها، بحسب الاختصاصي الأمني محمد أبو هربيد.

ومن أكثر الطرق التي يمارسها الاحتلال في ابتزاز الفتيات إلكترونيا، إعلان الوظائف التي تلجأ إليها الفتيات ويقمن بإعطاء بيانات كاملة، وعناوين المقربين لها، ومن ثم يتم ابتزازهن بها بعد اتصال ضباط الاحتلال بهن وأنهم يعرفون المعلومات ويقومون بعملية الابتزاز التي تجري أيضًا باستخدام أداة المساعدات والمنح، وتنكر أحد الشباب من خلال مواقع التواصل زاعما أنه يحب الفتاة، لنسج علاقات فيما تكتشف بعد ذلك أنه ضابط صهيوني.

ويقول مراقب عام وزارة الداخلية العميد محمد لافي: إن موضوع الابتزاز الإلكتروني أخذ مساحة من حملة مكافحة التخابر مع الاحتلال عامي 2010، و2013 التي نفذتها الوزارة.

ويضيف لافي: “إن المواطنين يفضلون الذهاب لعنوان غير العنوان الأمني”، مشيرا إلى أن رؤية ودراسة اعتمدت للتنفيذ لإنشاء مركز له علاقة بالبعد المدني فيما يتعلق بالابتزاز والتعامل مع مخابرات الاحتلال حتى يكون عنوان للمواطنين، لكن بعض الأمور الإدارية عرقلت التنفيذ.

ويحذر من أن الابتزاز الإلكتروني خطير، وأن أي شخص يتعرض له يجب أن يتوجه للأمن الداخلي كي يكون الجهاز على علم بطبيعة ما جرى.

ويوضح لافي أنه في حال لجأ المواطن المبتز للأمن الداخلي سيحصل على المشورة والنصيحة والإرشادات وأن لدى الجهاز قدرة على ابطال مفعول المواد التي يهدد بها، ومن ثم تجري عملية متابعة له لو تعرض لمحاولة ثانية من الابتزاز، كذلك يسهم ذلك في زيادة المعلومات لدى الجهاز، بشأن الطرق الحديثة التي يتعامل بها مخابرات الاحتلال بالتجنيد.

ويؤكد أن رفض المبتز التعاطي مع المخابرات يعطيه عامل قوة، إذ لم يسبق للاحتلال نشر أي مادة عن أحد، لأنها تدين الاحتلال رسميا، كونه يدعي أنه لا يستخدم المرض وحاجة الناس للغرض الأمني، فإذا حدثت حالة واضحة كاملة الأركان، قد يستخدمها المبتز في تقديم دعوى قضائية لدى محاكم دولية.

من جهته يقول أبو هربيد: “الابتزاز أحد أساليب الضغط على أي إنسان، تكون فيها المخابرات بمستوى أقوى من الضحية، وتستخدمها في عملية تحقيق أهداف لجلب معلومات وتجنيد عملاء والقيام بمهام محددة، وهي عملية معقدة يحاول الخصم امتلاك معلومات حساسة من خلالها”.

ويضيف الاختصاصي الأمني: إن “المخابرات عندما تريد الإيقاع بشخص ما، تتعامل بنظام تقاسم المصلحة، بأنه تشترط التعامل معهم لتقديم حاجة للمبتز (مثلا التعاون مقابل الحاجة للعلاج)، وفي حال رفضه يتم تهديده باستخدامه غرض ما، وهي عملية نفسية مخالفة للطبيعة الإنسانية والقانونية والشرعية بهدف تحقيق مخالفة للطبيعة الإنسانية والقانونية والشرعية بهدف تحقيق أهداف بجانب جلب المعلومات”.

ويوضح أن الاحتلال لديه فرق متخصصة ذات أسماء مختلفة ضمن وحدات مخابرات الإنترنت، مهمتها البحث عن معلومات وعلاقات لمستهدفين.

ويبين أن هناك عمليات إلكترونية تستهدف البريد الإلكتروني وحواسيب محددة لشخصيات تم توقيعها على خارطة الاستهداف لتجنيدهم واستثمارهم معلوماتيا، لافتا إلى أن الابتزاز الإلكتروني ناتج عن عمليات جهل لدى المستهدفين، كون الاحتلال سيطر على التكنولوجيا ويوظفها من أجل الحصول على المعلومات التي يمكن أن يستفيد منها في عملية تحديث بنك الأهداف.

إلا أنه نبه إلى أن الظاهرة لا تزال غامضة لعدم وجود مركز لاستقبال شكاوى متعلقة بالابتزاز، فلا يمكن قياسها كما يحدث بالدول المتقدمة التي تمتلك مراكز دراسات لتوعية الجمهور وتوجهيهم.

مدير عام الشرطة النسائية بقطاع غزة العقيد نرمين عدوان تؤكد أنه يصل الشرطة النسائية الكثير من القضايا التي تقدمها نساء نتيجة الابتزاز الإلكتروني.

وتقول عدوان: “من خلال تواصلنا مع المجتمع المحلي كشفنا النقاب عن مشكلة إلكترونية تعانيها الفتيات بعدم اللجوء لذويهم”، مشيرة إلى أن الشرطة بالتعاون مع جمعية الثقافة والفكر الحر، نظمت حملة للنساء والفتيات الذين يعانون ابتزازًا إلكترونيًا.

وتوضح أن الشرطة تتعامل مع الملف سريا ويتم إتلاف الملف بعد انتهائه، لافتة إلى أن الاحتلال لا يكل من السعي لتجنيد عملاء.

وتؤكد أن الفتيات يشعرن بالأمان عندما يلجأن إلى الشرطة النسائية، التي تتعامل بالملف بسرية.

“جريمة حرب”

في السياق يؤكد الباحث القانوني بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان محمد أبو هاشم، أن أي نوع من الابتزاز للحصول على معلومات والإيقاع بشخص بوحل العمالة، مناف للقوانين الدولية، وهو جريمة يرتكبها الاحتلال.

ويقول أبو هاشم إن: “الاحتلال يعرف أن الابتزاز جريمة، وذلك إمعان بارتكاب الجرائم ضد الفلسطينيين، لكن الأساس يتعلق بالوعي لدى الشباب حول الابتزاز الإلكتروني”.

ويبين انه لا توجد قوانين وأليات معينة يمكن أن توقف الابتزاز الإلكتروني، مشددا على ضرورة توعية الشباب الفلسطيني بكيفية تحصين معلوماتهم، وإنشاء علاقات آمنة عبر مواقع التواصل، وإجراءات السلامة التي يجب اتباعها على مواقع التواصل الاجتماعي التي تعدُّ من أهم منصات الاسقاط لدى مخابرات الاحتلال.

من جهته، يقول المختص في الشأن الإسرائيلي فرحان علقم: إن “الاحتلال يعد قطاع غزة صندوقا مغلقا، وأن الوسيلة الأكثر نجاعة للوصول للمجتمع واختراقه، تتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والأسلوب الثاني عبر المعابر والحوالات الصحية والعلاقات التجارية”.

ويؤكد علقم في حديثه أنه بات لدى الفلسطينيين الوعي الكافي لكيفية التعاطي مع طرق الابتزاز.

ويمثل هذا الوعي وإبلاغ الجهات الأمنية المختصة فور وقوع أي حدث، سبيلين مهمين لمكافحة أساليب الاحتلال.