Menu

16 عاماً على انتفاضة الأقصى: عنصرية صهيونية متصاعدة

قاوم _ تقارير /

يُحيي الفلسطينيون في الداخل اليوم السبت، عبر زيارات لأضرحة شهدائهم ومسيرة مركزية في سخنين، مرور 16 عاماً على هبة القدس والأقصى، التي اجتاحت الداخل الفلسطيني من الجليل والمثلث وحتى أقصى النقب، تضامناً مع الشعب الفلسطيني واحتجاجاً على قيام رئيس الوزراء الصهيوني السابق أريئيل شارون في 28 سبتمبر/أيلول 2000 باقتحام المسجد الأقصى، بموافقة من رئيس الحكومة الصهيونية  حينها إيهود باراك.

اندلعت المواجهات في الجليل والمثلث والنقب، وسقط 13 شهيداً من فلسطينيي الداخل برصاص الشرطة الصهيونية على مدار ثمانية أيام، واصل خلالها الفلسطينيون في الداخل التظاهر ومواجهة قوات الشرطة الصهيونية وقناصتها.

بدأت المواجهات في الأول من أكتوبر/تشرين الأول حين سقط أول ثلاثة شهداء هم: رامي غرة، وأحمد صيام ومحمد جبارين. وجاء اليوم الثاني الأكثر دموية مع تسجيل سقوط ستة شهداء برصاص الشرطة والقناصة، وهم مصلح أبو جراد وأسيل عاصلة وعلاء نصار ووليد أبو صالح وعماد غنايم وإياد لوابنة. وفي اليوم الثالث سقط الشهيدان محمد خمايسي ورامز بشناق. وتوقفت المواجهات لبضعة أيام لكنها اندلعت مجدداً في 8 أكتوبر حين سقط الشهيدان عمر عكاوي ووسام يزبك.

حاولت الحكومة الصهيونية بقيادة باراك التحايل على الفلسطينيين وتشكيل لجنة فحص "للأحداث"، إلا أن فلسطينيي الداخل رفضوا التعامل مع اللجنة، وأصروا على مطلب لجنة تحقيق رسمية، تم تشكيلها في نهاية المطاف وتعيين القاضي المتقاعد ثيودور أور، رئيساً لها. لكن اللجنة وعلى الرغم من عملها المتواصل، خرجت بتوصيات وجّهت فها إنذارات لثلاثة من قادة الفلسطينيين في الداخل وهم: المفكر العربي النائب في البرلمان عزمي بشارة، النائب عبد المالك دهامشة، والشيخ رائد صلاح، واتهمتهم اللجنة بالمسؤولية عن تحريض الفلسطينيين في الداخل على التظاهر والعنف.

وعلى الرغم من توجيه اللجنة انتقادات لتعامل عناصر الشرطة مع الفلسطينيين في الداخل، إلا أنها لم توصِ بتقديم أي منهم للمحاكمة، واكتفت بطلب تنحية قائد المنطقة الشمالية في الشرطة أليك رون من منصبه، بينما جعلت من رئيس الحكومة آنذاك شاهداً مختصاً أمامها، وهو الذي تم توثيق كلام له للإذاعة الصهيونية في اليوم الثاني للهبة يقول فيه إنه أصدر لوزير الشرطة أوامر باستخدام كل السبل اللازمة لفتح وادي عارة أمام حركة السير. ولم تُحمّل اللجنة رئيس الحكومة ولا وزير الشرطة آنذاك شلومو بن عامي أي مسؤولية عن دماء الشهداء، فيما لم يتم تقديم أي من عناصر الشرطة (ممن ثبت إطلاقهم النار على الشهداء من دون أن يشكلوا خطراً عليهم) إلى المحاكمة.

شكّلت الهبة والمواجهة العنيفة مع الشرطة الإسرائيلية، نقطة تحوّل كبيرة في مسيرة الفلسطينيين في الداخل، مع تحوّلهم للتصرف كجماعة وشعب في مواجهة الحكومة آنذاك، وهو ما تجلى في مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية لرئاسة الحكومة بعد ذلك بعام واحد، وإسقاط باراك في الانتخابات أمام شارون.

كما عززت أحداث الهبة من قوة ونفوذ التيارين المعارضين لاتفاق أوسلو في الداخل الفلسطيني، وهما حزب التجمع الوطني الديمقراطي بقيادة عزمي بشارة، والحركة الإسلامية الشمالية بقيادة الشيخ رائد صلاح.

تحوّلت هاتان القوتان لاحقاً إلى مؤثرتين في الخطاب القومي والوطني في الداخل، ولكن في الوقت نفسه، أصبحتا محط استهداف متواصل من قبل السلطات الصهيونية ، بدأت بسلسلة محاكمات ضد بشارة، ومحاولات تلفيق ملف أمني له، اضطره في النهاية إلى الخروج للمنفى القسري في مارس/آذار 2007. بموازاة ذلك، عملت الحكومة الصهيونية على ضرب الحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح، خصوصاً بفعل نشاط الحركة ضد محاولات التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، وأصدرت الحكومة أوامر مختلفة ضد رائد صلاح لإبعاده عن القدس ومنعه من دخول الأقصى وصولاً إلى إخراج الحركة الإسلامية عن القانون في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي.

تُصادف ذكرى الهبة هذا العام، استفحال التحريض العنصري من أوساط رسمية وحكومية ضد الفلسطينيين في الداخل، واتهام ممثليهم بأنهم لا يهتمون بقضايا الناس بل بالمسألة الفلسطينية من جهة، وبشن حملة توقيفات وملاحقة سياسية لحزب التجمع الوطني الديمقراطي، واعتقال العشرات من أعضائه والتحقيق مع ناشطين فيه ومناصرين له.

وتبدو الأجواء السائدة في دولة الاحتلال اليوم أشد فاشية مما كانت عليه قبل 16 عاماً، إذ جاء اندلاع الهبة مفاجئاً يومها للسلطة الصهيونية  أكثر من أي طرف آخر، بفعل الأجواء التي كانت قد أنتجتها اتفاقية أوسلو، وما بدا كأنه نجاح "لترويض الداخل الفلسطيني" لجهة الأسرلة، التي كسرت هبة القدس والأقصى وهمَها، وزادت بعد ذلك باستمرار تيار التشبث بالهوية الفلسطينية والانتماء العروبي الأوسع للعرب في الداخل.

أسفرت الهبة الفلسطينية في الداخل عام 2000، عن مراجعة فلسطينية للنفس تمخضت في نهايتها عن تصورات مستقبلية أقرتها المؤسسات الفلسطينية في الداخل، لجهة تنظيم الأقلية العربية في الداخل تنظيماً قومياً، على الرغم من معارضة بعض الأحزاب الناشطة في الداخل لهذه الفكرة خصوصاً الحزب الشيوعي الصهيوني والجبهة، وهو ما فسر الإصرار على اختيار اسم القائمة المشتركة لتحالف الأحزاب الفاعلة وليس القائمة العربية الموحدة، وذلك بفعل وجود الحزب الشيوعي الصهيوني وعناصره اليهودية ضمن هذا التحالف.