الشهيد الساعي لرضوان رب العالمين

المجاهد القائد الشهيد محمود حنني : المقاوم الصلب .. الأسير المنتفض

قـــاوم - خاص- مواطن ليس كباقي أبناء شعب فلسطين .. فهو المقاوم والأسير والمبعد الشهيد .. مراحل عاشها الشهيد محمود حنني من سكان مدينة نابلس واحدة تلو الأخرى قاوم الاحتلال لسنوات عدة ..ذاق مرارة الأسر .. حرم من رؤية ذويه بإبعاده عن مسقط رأسه .

فحبه للوطن وعشقه للشهادة ومداومته على مقاومة الاحتلال الصهيوني منذ نعومة أظفاره.. كلها جعلت من خبر استشهاده أمرا متوقعا باستمرار.

فالشهيد من مواليد عام 1968 في قرية "بيت فوريك" إلى الشرق من مدينة نابلس، نشأ وترعرع في أزقة وأحياء هذه البلدة الشامخة المعرفة بتاريخها النضالي العريق واحتضانها لأولى المواجهات مع الجيش الصهيوني فور احتلاله للضفة الغربية، حتى أن مدخل البلدة يتزين بنصب عال يحمل أسماء شهداء القرية.

وما أن وعى الشهيد حتى غاظه ما يفعله الاحتلال بأهل بلدته وبأبناء شعبه، وما إن انطلقت شرارة الانتفاضة الأولى عام 1987 حتى كان "محمود" من أوائل المنخرطين في صفوف المقاومة التي تطورت معه من رشق الحجارة إلى المولتوف والزجاجات الحارقة، وصولا لتشكيل خلايا عسكرية مسلحة تطارد الجنود وتفزع منامهم.

ورغم صغر سنه إلا أن صيته ذاع، وبات اسمه يؤرق الاحتلال الذي طارده في كل مكان، حتى استطاع اعتقاله عام 1988 ويُحكم بالسجن لفترة طويلة، قضاها صابراً محتسباً، يقوي من نفسه ويعدها لما قادم.

وعرف بين إخوانه الأسرى بصبره منقطع النظير وقدرته على التحمل، حتى أنه ثبت خلال جولات التحقيق رغم كل التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرض له.
مرت سبع سنوات سريعة، حتى جاء عام 1993 ومع توقيع منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني لاتفاق "أوسلو" أفرج عن محمود برفقة العشرات من إخوانه الأسرى.

حياة جديدة.. مع المقاومة

ومع أن الشهيد بدأ حياة جديدة له بعد الإفراج، حيث عمل في أكثر من مهنة، وتزوج وأنجب 5 أبناء (4 بنات، وولد)، إلا أن تفكيره الباطن بقي متعلقاً بمقاومة الاحتلال والتصدي له.. كيف لا وهو يشاهده يقتل ويعتقل ويسرق خيرات بلده ويُسمّن المستوطنات على حساب أراضي المزارعين دون رادع.. كيف لا وهو يرى بأم عينيه الذل الرسمي الفلسطيني وخنوع السلطة وتنسيقها الأمني المتواصل مع الاحتلال ضد أبناء شعبها والمقاومين على وجه الخصوص.. لقد كان الشهيد يتحين الفرصة لأن ينتفض من جديد.. وهذا ما كان.

ومع اندلاع شرارة الانتفاضة الثانية، حقق الشهيد محمود مبتغاه، فالآن لا قيود على مقاومة الاحتلال. فتواصل مع ثلة مؤمنة من إخوانه المجاهدين في غزة هاشم، ليشكل نواة ألوية الناصر صلاح الدين في الضفة الغربية.

مطارد.. ومبعد


عمله تركز على إعداد الاستشهاديين الذين كانوا يلجؤون إلى الداخل المحتل عام 1948 ويفجرون أنفسهم هناك، موقعين القتلى والخسائر الفادحة بالمحتلين. لكن أحد الاستشهاديين اعتقل وهو في طريقه لتنفيذ عمليته، وخلال التحقيق اعترف على الشهيد محمود، الذي سارع بالخروج من فلسطين والسفر إلى الأردن للنجاة بنفسه.

هناك عاش مهدداً مطارداً من قبل جهاز المخابرات الأردني، الذي اعتقله لأكثر من 3 أشهر وأخضعه لتحقيقٍ قاسٍ، حتى فر بنفسه إلى مصر ومنها إلى قطاع غزة، ليتصل مع مجموعته الأولى ويعود إلى هوايته المفضلة بمقارعة الاحتلال وأعوانه.

تعرض الشهيد خلال حرب الفرقان إلى محاولة اغتيال، لكنه نجا، وكان ملازما دوما لقادة الأولوية الذين ارتقوا تباعاً إلى العلا.
أسرته التي تعيش في الضفة الغربية لم تفلح جميع محاولاتها بالسفر إلى غزة والالتحاق به، وبقي على تواصل مع زوجته وبناته ونجله الوحيد عبر الهاتف فقط منذ 6 سنوات كاملة. وفي غزة اقترن بزوجته الثانية وأنجب منها طفلة تبلغ من العمر الآن عام ونصف فقط.

موعد مع الشهادة


وقد رتب له القدر أمراً عجيباً، فقد ترتب على صفقة تبادل الأسرى "وفاء الأحرار" أن يفرج الاحتلال عن أفراد مجموعته ومن ضمنهم الاستشهادي المفترض، وقد جرى إبعادهم إلى غزة، ليلتم الشمل من جديد.

لكن لم يكن في العمر بقية، فعصر الجمعة 9/3/2012م كان شهيدنا برفقة الأمين العام للجان المقاومة الشعبية الشيخ "زهير القيسي" (أبو إبراهيم)، حين تعرضت سيارتهم لقصف صهيوني غاشم، أدى لاستشهادهما على الفور.

حينها لم يجد أفراد مجموعته المبعدة إلى غزة، إلا أن يقوموا بتبليغ عائلته بنبأ استشهاده.

ذووه اجتهدوا لنقله جثمانه إلى مسقط رأسه في قرية "بيت فوريك"، لكن الاحتلال الصهيوني رفض بشدة، ووري بطلنا الثرى في غزة هاشم، برفقة إخوانه الشهداء.. ولتكتفي أسرته بفتح بيت لاستقبال المهنئين، وقلوبهم تلهج بالدعاء أن يسكنه الله فسيح جناته ويلهمهم الصبر والسلوان.