الشيخ الشهيد " أبوإبراهيم " " كان يحمل هم أمة بأكملها"

قــــاوم - خاص- كم يعجز القلم أن يسطِّر كلمات لتخليد ذكرى رجال أطهار، ومجاهدين أخيار افتقدناهم على حين غرّة , أبطال أخفياء تركوا بصمات نيّرة وآثارًا عطرة تشهد لهم أنّهم أقدموا حيث أحجم النّاس.

 أن بهؤلاء العظماء الذين رو بدمائهم أوطانهم إنما فعلوا ذلك من أجل عزة دينهم، وإنهم يحملون ألوية النصر والرفعة في جهادهم ضد اليهود نيابة عن الأمة الإسلامية بأسرها .

 وها نحن اليوم نستذكر قائداً كان بحق رجلاً بأمة كما كل الرجال العظام الذي أثروا حياة شعبنا وأمتنا , هو الرجل الهادئ الصامت.. ما إن تراه حتى تشعر بفيض من الإيمان ينطلق من وجه بابتسامته الهادئة الجميلة وبقلبه الرقيق المؤمن أنه الشهيد الشيخ زهير القيسي " أبو إبراهيم "  رحمه الله .

 نبذة  

 مُنذ صغره اختار أبو إبراهيم طريق المقاومة والجهاد والدعوة إلى الله، وحب الخير للناس، وتمنى الشهادة في سبيل الله , وحين أصبح شاباً يافعا لم يكمل العشرين ربيعا عمل مع المجموعات الأولي في الانتفاضة الأولي .

 ثم تخرج وعمل مدرسا للرياضيات في مدارس الأونروا ولكن المقاومة التي كانت تشتعل في دمه كانت تتطلب منه المزيد من الوقت فاضطرا أخيرا للاستقالة من عمله مضحيا بوظيفة مريحة ، لأنه كان ينظر إلى ما ابعد من الوظيفة ، كان يبحث بين أنقاض تنظيماتنا العاجزة عن أفق أرحب ، كان يبحث عن الشهادة .

 تأسيس لجان المقاومة

 في عام 2000 م , انتفض الشعب الفلسطيني على قيود أوسلو التي شكلت نقطة سوداء في تاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني ،  وبعد تدنيس المجرم شارون لباحات المسجد الأقصى كانت الشرارة الأولى لبدء تنفيذ ما كان يحلم به أبطال العزة و الكرامة حراس العقيدة حاملين أرواحهم علي أكفهم للدفاع عن وطنهم و مقدساتهم ، حيث  كان واضحا و جليا الحاجة إلى حالة تتبنى النهج المقاوم متحررة من قيود الالتزامات الدبلوماسية والسياسية , حالة يكون همها الأول الإبقاء على حالة الاشتباك المستمر مع العدو الصهيوني و إيقاع الأذى و تكبيده الخسائر و حرمانه الشعور بالسيطرة أو حتى الراحة و هو يستبيح  الأرض و المقدسات   .

 وبرز من بين هؤلاء ثلة من الرجال المؤمنين بأن قضية فلسطين لا يمكن لها بأن تحل بواسطة السياسة و الطاولات المستديرة  ، فكان ميلاد لجان المقاومة و ذراعها العسكري ألوية الناصر صلاح الدين , بعد مخاض واجه شعبنا تمثل في الحاجة لنهج يقف ندا لممارسات الاحتلال.

 وكان أبو إبراهيم من بين هؤلاء الرجال إلى جانب شقيقه في الجهاد ومسيرة الكفاح الشهيد جمال أبو سمهدانة أبو عطايا و الشهيد كمال النيرب أبو عوض والشهيد عماد حماد وعدد ممن ربحوا البيع و تركوا الدنيا خلفهم ونالوا مرضاة الله عز وجل نحسبهم عند الله شهداء .

 وسرعان ما أصبح اسم  لجان المقاومة و ذراعها العسكري ألوية الناصر صلاح الدين من أهم الأذرع العسكرية في القطاع، بعدما شرعت وحدة التصنيع التابعة لألوية الناصر صلاح الدين  في تطوير قذائف الهاون لتصبح أكثر قوة وأبعد مدى. كما طورت ألوية الناصر عبوات ناسفة ذات قوة تدميرية كبيرة استطاعت بفضلها عام 2001 تدمير أول دبابة صهيونية من طراز «ميركفاه سيمان 3» التي كانت آنذاك تعتبر الأكثر تطوراً وتصفيحاً في العالم. ثم توالى تدمير الدبابات، إذ دمر مقاتلو الألوية  دبابتين في السنوات التالية، ونفذوا عدداً من العمليات الفدائية النوعية، من بينها أول عملية اقتحام مستوطنة في القطاع وقتل جنود ومستوطنين.

 منصب الأمين العام

 لم يكن أبو إبراهيم يوماً حريصا على الزعامة فبعد اغتيال الشهيد أبو عطايا الأمين العام للجان المقاومة دفع مع إخوانه الشهيد القائد ( كمال النيرب أبو عوض ) ليخلف أبو عطايا .. ليجد أن إخوانه يحملونه هذه المسئولية بعد اغتيال الشهيد أبو عوض النيرب ومعه ثلة من القادة الأبرار يوم الخميس  الموافق 18 8 2011، في نهار رمضان وقبيل الإفطار , ليكمل ما بدءوه وما عاهدوا الله عليه وأخذا على عاتقه حمل الأمانة عبر مواصلة المقاومة ودرب الجهاد والاستشهاد .

 وفور توليه منصب الآمين العام وجه أبو إبراهيم رسالة إلى المجاهدين من أبناء لجان المقاومة وذراعها العسكري ألوية الناصر صلاح الدين يحثهم فيها على الصدق في العمل و الإخلاص لله وحده في العبادة و حسن المعاملة والخلق والسمع والطاعة للأمير ما لم تؤمر بمعصية والصبر على المشقة والعنت والظلم والإقتداء بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم .

 ومن نص رسالته :  " وإني قد وليت عليكم على غير رغبة مني , ولكن هي الأمانة وجدت نفسي أتقلدها مرغما , بعد استشهاد أحبابنا الكرام أبو عوض وأبو عبد الرحمن وأبو غسان وأبو جميل وأبو فراس , والله أسأل أن يعينني على حملها وما توفيقي إلا بالله .

 فأطيعوني ما أطعت الله فيكم , فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم , وإني قد بدأت مستعينا بالله وحده بترتيب صفوفنا بالتشاور مع إخواني في القيادة المركزية وفي اللجنة التنظيمية و المجلس العسكري , ولله الحمد فقد بدأت ألويتنا المظفرة باستعادة عافيتها , واعلموا أن لا نجاح لأحد إلا بتوفيق الله , ثم بإخلاصكم ودعائكم وتفانيكم في العمل طاعة لله وحده .

 أبو إبراهيم وأبو عطايا .

 كانت للشيخ الشهيد زهير القيسي "أبو إبراهيم" كلمات قوية ومؤثرة في رثاء أخيه و رفيق دربه وشريكه في التأسيس الشيخ الشهيد : جمال أبو سمهدانة " أبو عطايا " توضح مدى العلاقة القوية التي كانت تجمع بينهما , وهي علاقة الإخاء في الله والشراكة في الدم وطريق ذات الشوكة , فقد كتب الشهيد أبو إبراهيم عن الشهيد أبو عطايا قائلاً :

 " أبو عطايا لم يكون اسما عاديا ..كان رمزا للمجاهد المحبوب خفيف الظل ..الفارس الأسمر الذي يحمل فوق جبهته هم الأمة كلها ..كان عنوانا للقاء والوفاق وترى ذلك مجسدا في إصراره على العمليات المشتركة بينه وبين الفصائل .وترى ذلك واضحا بتدخله المحمود لحل الكثير من الخلافات والنزاعات التنظيمية والعائلية.

أبو عطايا عاش زاهدا بسيطاُ  ورعا .. كان صواما وقواما وكان يحفظ القرآن ..كان يحب المكوث في بيوت الله ويحب البقاء في الخلوات تحت الشجر. عاش لدينه ولأمته فأحبته الأمة كلها . "

 رسالته الأخيرة ..

 لم يكن أبو إبراهيم يحمل هم قضية وطنية فقط , بل كان يحمل هم أمة بأكملها , وهو ما دل عليه أسم رسالته الأخيرة " للمجاهدين خاصة ولعموم الأمة الإسلامية " .

 وعنونت الرسالة التي نشرت بتاريخ 3 مارس 2012م أي قبل أيام من استشهاده : "الحقيقة التي يجب أن تقر في القلوب أن الإسلام هو الحل.. والإسلام دين لا يقوم إلا بالجهاد في سبيل الله"

وفي مطلع رسالته يبدأ رحمه الله  قائلاً : "إن المتأمل لواقع الأمة يجد عجباً، فإذا أمعن في التأمل وقرأ التاريخ من خلال دراسة المقدمات والنتائج فقد يزول العجب، فحركة الأمم عبر التاريخ تسير وفق ناموس رباني خطه الله عز وجل في آية محكمة معجزة : {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }.

 ويستطرد "أبو إبراهيم" رحمه الله في رسالته يتحدث فيها عن عوامل النصر لهذه الأمة وأسباب الهزيمة قائلاً، في واقع أمتنا اليوم حالة من التخبط المخطط له منذ أكثر من قرن من الزمان.. دول ممزقة مسلوبة الإرادة والكرامة وحكام أصبح بعضهم أداة لتنفيذ مخططات العدو وحركات متفرقة ضعيفة الأداء.. إلى أن طفح الكيل وبدأت الشعوب العربية المقهورة في الثورة ضد حكم الطغاة .. وهذه الثورات لا يمكن أن تنتج تغييرا حقيقيا يؤدي إلى إقامة أمة عزيزة منتصرة ما لم تبادر الحركات الإسلامية الرائدة والعلماء بإضاءة الطريق أمام الناس ليحدث التغيير الحقيقي في الشعوب والذي يؤدي بالتالي لنتيجة النصر والتمكين والعزة . والمطلوب من هذه الحركات ومن العلماء أن يبلغوا ويوضحوا للناس بأحسن السبل {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ثم أن تكون هذه الحركات والعلماء قدوة للناس في السلوك والتضحية {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } .

 ويختم رحمه الله رسالته بمشروع لتغيير للأمة قائلاً : " لذلك فإن على كل من يتقدم الناس بمشروع يهدف لتغيير الواقع الذي تعيشه الأمة أن يدرك أن هذا هو الطريق وان عليه أن يصدق شعبه "فالرائد لا يكذب أهله" .. إنه طريق ذات الشوكة الطريق الوحيد للنجاة من الفتن وهو الطريق الوحيد للنصر والتمكين وهو الطريق الوحيد لتحقيق الغاية من الوجود وهي إقامة هذا الدين الذي هو دين الحق والعدل والخير .

 {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ 10 تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ11 } .

 يوم الشهادة

في ميادين العزةِ والكرامة والإباء يمضي حراس العقيدة حاملين أرواحهم علي أكفهم وأنفسهم مشتاقة للحاق بركب الأطهار والمخلصين حيث جنان الخلد والنعيم .

 

في مساء الجمعة الموافق 9/3/2012 أغتال جيش الاحتلال الصهيوني الشيخ زهير القيسي " أبو إبراهيم " الأمين العام للجان المقاومة ومعه القيادي محمود حنني , بطائرة استطلاع أثناء تواجدهم في منطقة " تل الإسلام " بمدينة غزة .

 هؤلاء هم شهدائنا قادتنا , عاشوا مجاهدين وقضوا إلى ربهم مجاهدين , ما عرفناهم إلا وهم في ساحات الجهاد , وما سمعنا عنهم إلا كل خير , نسال الله لهم القبول والمغفرة والرفقة من النبي قائد المجاهدين  صلى الله عليه وسلم  .