خنساء المقاومة رحمها الله تتحدث عن "أبو عطايا ومسيرة جهاده "

قـــاوم – خاص - أنها أم الشهيدين , خنساء المقاومة , من حملت وربت في كنفها أحد أبطال فلسطين المجاهدين , وما إنهزت تلك الصابرة ولا ضعفت وسط حياة المطاردة لولديها (جمال , صقر) , وهما في عمر الزهور والطفولة  , كانا قد ترعرعا في بيت كله قيم وأخلاق ومقاومة , ولقد ساهمت هي بنفسها في تربية هذا النشأ المبارك , على حب الإسلام والوطن إلى جانب زوجها المقاوم الحاج عطايا , فخرج من عرينها إثنين من المقاتلين في سبيل الله والدفاع عن فلسطين .

إنها " أم صقر" والدة الشهيد الأمين العام للجان المقاومة الشيخ جمال أبو سمهدانة الذي إغتالته طائرات العدو الصهيوني قبل خمسة سنوات , وكذلك والدة الشهيد صقر عطايا أبو سمهدانة وهو الأبن البكر لها , وقد إستشهد في جنوب لبنان أثناء التواجد الفلسطيني في الثمانينات من القرن الماضي .

عائلة الشهيد الشيخ  " أبو عطايا " في دائرتها الخاصة هي عائلة شهداء ومقاومين فلقد إستشهد أخوة طارق في إنتفاضة الحجارة , وتنقل أخوته ووالده في السجون الصهيونية بتهمة مقاومة الكيان الصهيوني.

تقول والدة الشهيد الشيخ " أبو عطايا " في حديثها مع مراسل قــــاوم لقد كان إبني جمال ثوري منذ الصغر ويرفض الاحتلال الصهيوني بكل أشكاله , وكذلك هذا حال أخيه الأكبر الشهيد " صقر " الذي هاجم في مرة من المرات تجمع للإدارة المدنية الصهيونية قرب سوق السبت بمدينة رفح بالقنابل اليدوية , وتقول الحاجة " أم صقر "  كنت يومها في سوق رفح , وسمعت الناس يتحدثون أن صقر أبو سمهدانة انه هو من ألقى على اليهود القنابل , فقلت للناس أنت لا تعرفون صقر هو طفل صغير ولا يستطيع ذلك  , وخرجت من السوق والكل يذكر صقر وعمله البطولي ولقد كنت خائفة عليه , وعندما عدت للمنزل أخذت بالدعاء له وان يحميه الله من كل سوء وجاء اليهود يبحثون عنه , وتقول الحاجة  " أم صقر " إلا انه بحمد لله إستطاع الهرب إلى مصر , ومن تم إلى لبنان والتحق بالثورة الفلسطينية .

وتستذكر الحاجة  " أم صقر " أيام مطاردة صقر فتقول كان عندما يأتي إلى منزلنا فإنه ينام على الحائط , وكنت أقول له انزل نام على الفرشة على الأرض ألا تخاف أن تقع , وكان الشهيد " صقر" يضحك ويقول " أن الله الحامي يا حجه "  

كان الحديث مع الحاجة  " أم صقر " عن شهيدها البكر " صقر" ذو شجون , وهي تتابع بعينها مسيرة حياة أطفالها الصغار , وكأنهم رجال مقارنة بمن هم في سنهم , الذين لا هموم لهم ولا يفكرون كما يفكر أبناء الحاجة  " أم صقر" الصغار في السن وقتها , الكبار في الهموم وحب الأوطان والمقاومة .

وتعود الحاجة " أم صقر " بنا إلى طفولة الشيخ الهمام " أبو عطايا " فتقول ما كان يشبه أقرانه بالمطلق من حيث الاهتمامات فكان تفكيره أكبر من سنه في كل شئ , وكان كراهية الاحتلال تسري في دمه منذ الصغر , وهو يرى والده ما أن يخرج من السجن إلا ويدخله مرة أخرى , وكان " جمال " يصلي في المسجد منذ الصغر وهو مسجد " العودة" حتى كان يخرج مع والده إلى صلاة الفجر , وكان الحمد لله منذ صغره متدين وصاحب أخلاق عالية , لا يحب الكذب , فإذا فعل شئ يقول فعلت , ولا يخشى أحد وكان يحب دائما أن يكون صادق في كلامه.

حادثة في المدرسة

تقول الحاجة " أم صقر " كان جمال وهو صغير ترى فيه معالم قائد , من حيث تفكيره الكبير الذي يفوق سنه , وهناك حوادث كثيرة في طفولته تبين أنه منذ الصغر كان يعلم جيداً ما هو الاحتلال , وكيف أنه يغتصب أرضنا وقد هجر بالقوة والإرهاب والقتل أهلنا من أراضيهم عام 1948م .

وتضيف الحاجة " أم صقر " تقول في يوم من الأيام جاءت شكوى على جمال من المدرسة التي يدرس فيها , بأنه هو من خرب وقلع الورد في ساحة المدرسة وهدم نجمة كانت تتوسط الورد ,وعندما أرسلت المدرسة إلى والدة الحاج عطايا , كنا نعتقد أن هناك مشكلة أو أن جمال مقصر في دروسه , فعندما ذهب والد جمال إلى المدرسة , أخبره المدير أن جمال قد خرب حديقة المدرسة وقلع الورد وهدم شكل النجمة المعمول بالأحجار , فعندما سأله والده لماذا فعلت ذلك يا جمال قال يا أبي هذا الورد أحضروه من إحتفال الوداع لليهود في مستوطنة (ياميت) في سيناء , وبعضهم شارك في إحتفال الوداع لليهود , وجلبوا هذا الورد وشكل النجمة الصهيونية , وهذه المدرسة فلسطينية وليس مدرسة لليهود , لذا لا نريد نجمة إسرائيل في مدرستنا , فتعجب الحاج عطايا من موقف ولده "جمال" , وكان قد خرج الحاج عطايا من السجن الصهيوني قبل هذه الحادثة بأسابيع فأفتخر بابنه , وأنه بالرغم من غيابه عن بيته بسبب السجن إلا أن أبنائه على قدر من المسؤولية الوطنية , وأنهم ملتزمون بالقضية التي تشغلهم وتملئ عليهم حياتهم وهم مازالوا صغار.

عملية البنك الصهيوني في رفح

وتستفيض الحاجة " أم صقر " في الحديث عن طفلها البطل " جمال " فتقول قام اليهود بإفتتاح بنك لهم في مدنية رفح , ويفتح هذا البنك على حارتنا فجاء جمال والغضب واضح عليه ,وقال لي شفتي يا أمي اليهود فتحوا بنك , قلت له أه سمعت , فقال هم كمان جايين يلاحقونا في المخيمات يفتحوا بنوك عليها نجمة الصهاينة , باقي يأتوا ليجلسوا معنا في بيوتنا في المخيم وإشتد غضبه على هذا البنك.

بعد أيام تم حرق سيارة مدير البنك الصهيوني , وسارعوا اليهود بالتفتيش والبحث عن الفاعلين قلت في نفسي والله ما طلعت إلا من جمال .

وبعد أيام تم إعتقاله هو ثلاثة من الشبان أصحابه وكانوا في الأول ثانوي , يعني شبان صغار, وتم نقلهم إلى السجن المركزي في غزة .

صمود في التحقيق

وتضيف الحاجة " أم صقر " تقول وصلتنا أخبار عن تعذيب قاسي لجمال من أجل أن يعترف على عملية حرق سيارة مدير البنك الصهيوني , وقال لنا احد الإخوة من عائلة إسعيفان كانوا يخرجوا جمال من غرف التحقيق وهم يحملوه على البطانية , من شدة التعذيب إلا انه لم يعترف , وبقى صامداً  ويقال ان الإثنين من أصحابه إعترفوا على العملية .

تقول الحاجة  " أم صقر " وفي يوم من الأيام , وبعد أشهر من إعتقال جمال جاء لنا إتصال على مكتبة الأخ الفاضل روحي صبح رحمه الله , وكان اليهود قد قطعوا التلفون الخاص بنا لان ابني صقر اتصل فينا من أثينا يخبرنا أن طلع من غزة , وهو في طريقة إلى لبنان فجاء الجيش الصهيوني وقلع عمود التلفون بالكامل , كأسلوب عقاب للعائلة ولقطع التواصل مع صقر رحمه الله  .

كان التلفون الذي جاء على مكتبة روحي صبح من مدير السجن , يخبرنا أن محاكمة جمال غداً , وقال احضروا معكم الكفالة , لأن هناك إحتمال أن يخرج جمال من السجن بكفالة هذا طبعاً بعد أن صمد في التحقيق ولم يعترف على شئ .

موقف عزة وكرامة في المحكمة الصهيونية

وتضيف الحاجة " أم صقر" حضرنا المحكمة ودخل "جمال" بمشيته العسكرية إلى قاعة المحكمة فقال بصوت عالي السلام عليكم قلت أنا له عليكم السلام , وكان في ناس كثير إلا أنهم لم يردوا السلام خوفا من الصهاينة , فقال لهم "جمال" لماذا لا تردوا السلام ؟؟ هو إحنا سراقين دجاج لا تخافوا منهم وردوا السلام بصوت عالي .

ونفي "جمال" في المحكمة علاقته بعملية البنك , وتم الإفراج عنه بكفالة مالية , وأكمل جمال دراسته وحصل على التوجيهي , وبالرغم انه كان عندنا بناء في البيت أثناء الإمتحان , وكان "جمال" يشارك في البناء إلا أنه حصل على نتيجة عالية سمحت له بدخول كلية الحقوق وهذا التخصص كان إختيار جمال ودرس السنة .

وإزدادت مطاردة الاحتلال الصهيوني لجمال , وأصبحت الحياة لا تطاق وكأنه لا يوجد في غزة إلا جمال أبو سمهدانة , فقررنا أن يخرج جمال من غزة

وفي يوم الخميس العصر أخر يوم في الامتحان , غادر قطاع غزة إلى جمهورية مصر ,وتقول الحاجة " أم صقر" ووصل "جمال" إلى دار أخي , وأخبرني أخي فيما بعد انه لما وصل جمال لم يستطيع معرفته إلا من خلال جواز السفر , وسأل جمال لماذا أنت متغير وكان جمال قد دخل إلى مصر متسلل ,ومضي في الطريق أكثر من ثلاثة أيام قبل أن يصل بيت أخي, فوصل منهك وقد ضربته الشمس حتى غيرت لونه , فقال له "جمال" ممازحاً ولا يهمك يا خال بنغير اللون إن شاء الله بس شوية راحة .

دراسته في المغرب ثم إنتقاله إلى الكلية العسكرية

تم تضيف الحاجة " أم صقر" في حديثها مع مراسل قاوم وتقول أن "جمال"  توجه إلى تونس وعمل هناك مع الأخ أبو جهاد رحمه الله , وتم إرساله لدراسة العلوم السياسية في المغرب وعندما أنهى " جمال " السنة الأولى وبعد تقديم الإمتحانات ذهب " جمال " إلى تونس, وأوصى أصدقاءه بإخباره بالنتائج عند صدورها ,وعندما أخبره أصدقائه عن النتيجة قالوا لجمال العلامات الخاصة بك جيدا جداً ,إلا أن السلطات المغربية تخبرك بأنه غير مرغوب بك دخول البلاد .

وعندما اخبر " جمال " الأخ أبو جهاد قال له سوف أرسلك إلى ألمانيا لدراسة الهندسة العسكرية , وتبتعد عن كل مضايقات الأنظمة العربية , وبالفعل ذهب إلى هناك وتخرج من الكلية العسكرية وكان هذا التخصص محبب لجمال , لأن كان يريد أن يدرس شئ يساعد ويخدم فيها قضيته .

وتقول الحاجة " أم صقر" تم توجه  " جمال " إلى العراق وهناك تزوج بأم عطايا وفقها الله في رعاية أبنائها , وكانت نعمة الزوجة لجمال , وهناك ساهم " جمال " في مساعدة العائلات الفلسطينية التي تعرضت للاعتداءات وقت اجتياح الكويت .

تم غادر العراق متوجه إلى ليبيا , وهناك أقام بيت عزاء للشهيد طارق أبو سمهدانة والذي إستشهد في التسعينات أثناء إشتباك مع الاحتلال في مدينة رفح وكان معه الشهيد احمد أبو صهيبان فأقام " جمال " لهم  بيت عزاء إجتمعت فيه الجالية الفلسطينية هناك .

تم توجه إلى الجزائر وهناك إستقر بعض الوقت حتى عاد من القوات الفلسطينية إلى قطاع غزة.

وتضيف الحاجة " أم صقر" أن أبو عطايا لم يكن يروق له الحال في قطاع غزة , وكان يرفض إتفاقية السلطة مع اليهود , وكنت أراه ما أن يخرج من طوشه إلا ويدخل في أخرى مع قيادات السلطة وكنت أخاف عليه منهم .

وتقول الحاجة " أم صقر" ولقد إعتقلوه لأنه يساعد المجاهدين حتى جاءت انتفاضة الأقصى وأعلن تنظيمه ( لجان المقاومة - ألوية الناصر صلاح الدين ) وجمع الشباب حوله وكنت دائمة الدعاء له ولأصدقائه .

وتتنهد الحاجة " أم صقر " وتقول لقد كنت أتابع كل طائرة تمر فوق دارنا , وكل خبر على التلفزيون والراديو , وعندما أسمع تحليق الطيران أو صوت إنفجار أو قصف أقول هذا جمال , وكنت دائما الدعاء له في صلواتي وقيام الليل , وكان يأتي لي " جمال " كل فترة ويقبل يدي ويطلب أن ادعوا له .

خبر إستشهاده

تقول الحاجة " أم صقر" كنت قد سافرت أنا و أم عطايا والأولاد إلى جمهورية مصر في زيارة عائلية , وعندما كنت في بيت أخي وأنا أتباع الأخبار مساءً يوم الخميس 8/6/ وكان التلفزيون يعرض مؤتمر صحفي للمجرم بوش , وهو يفتخر بقتل الزرقاوي , ودخلت إلى غرفتي وأنا حزينة على قتل الزرقاوي , وكنت بصراحة مغلولة على قتل الزرقاوي والأمريكان فرحانين .

وبعد ذلك تقريبا بنصف ساعة , دخلت بنت أخي وهي تبكي قلت لها أنتي تبكي على الزرقاوي أنتي تعرفيه ؟؟ قلت مش الزرقاوي يا عمتي , قلت آه مين  , زادت بنت أخي في البكاء , قلت لها إذن "جمال "  الحمد لله أنه نال الشهادة .

وتضيف الحاجة " أم صقر" لما قلت هالكلام صرت مكسوفة منها , للرد اللي تفاجأت فيه لأنهم في مصر غير معتادين علي هيك أمور , وعندهم عادة الصراخ لذا وفاة أحد لهم  , كانت تبكي وأنا الحمد لله صابرة .

وعندما دخلت للوضوء قالت لي بنت أخي يا عمتي إنتي صليت العشاء , قلت لها أنا بكامل الوعي وعارفة اني صليت العشاء , بس أريد أن أتوضأ من أجل أن أصلي صلاة الشكر لله على إستشهاد جمال .

صلاة الشكر لله والدعاء بالصبر

 وتقول الحاجة " أم صقر" بلغة الثبات , وأنا واقفة للصلاة توجهت لله عزوجل بالدعاء أن يربط الله على قلبي ويصبرني في مصيبتي, وقلت يا رب يا من ربطت على قلب أم موسى وهي ترمي بولدها في البحر , إربط على قلبي وصبرني أن أكون أم هذا البطل وصليت ركعتين شكر لله عزوجل .

تم جاء أخي واحضر السيارة وغادرنا مصر إلى رفح .

وكنت طوال الطريق إلى معبر رفح وأنا اذكر الله وإستغفره وأدعوا لجمال بالقبول والمغفرة والرحمة .

وعندما وصلنا على معبر رفح أدخلونا بسرعة من أجل أن نلحق الجنازة , وكان إستقبال طيب من الجانبين المصري والفلسطيني .

وتضيف الحاجة " أم صقر" وصلنا المستشفي ودخلت علي " جمال " وهو مسجى شهيداً في مستشفي أبو يوسف النجار برفح ,  وسلمت عليه وكانت يده على قلبه وهناك دماء على صدره , ووضعت ابنه يحيي على صدره , وقلت له هذا يحيي يسلم عليك , وقعدنا تقريبا ساعة عنده وأنا أدعوا له , تم غادرنا على البيت والحمد لله الذي أكرمنا باستشهاده .

وتبقى "أم صقر " كجبال عيبال شموخاً

وفي نهاية اللقاء تؤكد الحاجة " أم صقر" بلغة الواثقة من أجر الله عزوجل للشهداء والمجاهدين أنها قد قدمت أبنائها شهداء , ولم تندم للحظة واحدة بل هي سعيدة , ومتشوقة بأن يجمعها الله عزوجل معهما في الجنة , وتقول جل ما يفرحنى أن أرى الشباب وقد صاروا على درب الشهيد أبو عطايا , وهو الذي يريد بجهاده العزة للإسلام وفلسطين .

 وتوجهت الحاجة " أم صقر"  لعوائل الشهداء من أبناء لجان المقاومة والشعب الفلسطيني بالتحية قائلة بأن هذه الدماء العزيزة هي باقية بأجرها عند الله عزوجل , وان الله لن يضيع سهرنا وخوفنا على أبناءنا ودعمنا لهم في طريقهم , وأن الأجر العظيم ينتظر الصابرين من أمهات الشهداء وزوجات الشهداء إن شاء الله .

غادرنا  الحاجة " أم صقر" وهي كجبال عيبال شموخاً , وكزهر الحنون في ربيع فلسطين جمالاً وهي ترسم لنا خطوات الجمال مهجة قلبها , من أول حركاته على الأرض حتى الانتفاض الكبير على واقع المذلة والهوان , إلى الارتقاء شهيداً في سبيل الله عزوجل , فعرفنا أن عنفوان المقاوم لابد له من مصدر يلهمه , وكيف لو كانت الأم ذلك النبع الصافي , وهي كذلك " أم صقر"  أم الشهيدين , خنساء المقاومة , كان لها نصيب كبير في تاريخ رجلاً بعزم وجهاد وإصرار شيخنا " أبو عطايا " .

أجريت المقاومة من قبل طاقم المكتب الإعلامي بتاريخ 11/6/2011م