تقرير : غزة بين حربين .. المقاومة تنتصر

قـــاوم – خاص- تدرجت فصائل المقاومة الفلسطينية في امتلاك السلاح وكانت في كل مرة تسعى لاستخدام الأجدى وفق استطاعتها، فبدأ ذلك بانتفاضة الحجارة مروراً بالكثير من الوسائل القتالية التي طورتها وامتلكتها المقاومة.

ولم تتوانَ المقاومة لحظةً عن تطوير قدراتها العسكرية وإن كانت القوة التي تمتلكها لا يمكن أن تقارن بترسانة الاحتلال - الأعتى في المنطقة -.

هذه الوسائل أسهمت بزلزلة أمن الاحتلال، حيث أصبحت المقاومة في موضع "المبتكر" والكيان في موضع "الباحث عن الحل" لهذا الابتكار.

حرب الأنفاق

حينما أصبح الاحتلال محصنا في حصون منيعة، كانت حرب الأنفاق ابتكاراً جديداً للمقاومة، فبدأت بعملية بوابة صلاح الدين "موقع ترميد"، ثم عملية برج المراقبة في منطقة يبنا والمسمى موقع حردون، وموقع المطاحن المسمى (أورحان) والشهير بموقع محفوظة، وعملية معبر رفح الحدودي.

بالإضافة إلى عملية السهم الثاقب، وهي عملية أمنية مركبة استطاعت المقاومة إيهام العدو بوجود نفق ووجود أحد المجاهدين المطلوبين بداخله، مما دفع بقوات الاحتلال إلى التحرك نحو المكان المتواجد فيه النفق ولكنهم تفاجئوا بوجود استشهاديين فجروا كمية من العبوات واشتبكوا مع قوات الاحتلال و ألحقوا الخسائر بهم.

صراع الأدمغة

حيث خاضت المقاومة غمار أول تجربة فلسطينية لإنتاج صواريخ محلية الصنع، لتتمكن من نقل المعركة إلى قلب المغتصبات الصهيونية ، ولتجرع المغتصبين من نفس الكأس الذي يتجرعه شعبنا، ففي يوم الجمعة الموافق 2001/10/26م أعلنت المقاومة عن نجاح مهندسيها في إطلاق أول صاروخ مصنع محلياً.

اندحار العدو

بعد أن تلقى العدو ضربات قاسمة من خلال حرب الأنفاق، وضرب الصواريخ محلية الصنع، والعمليات الاستشهادية داخل مستوطناته، قرر العدو الانسحاب من قطاع غزة.

ففي الثاني عشر من شهر سبتمبر لعام 2005 انسحبت قوات الاحتلال من كافة مستوطنات القطاع التي بقيت فيها لعشرات السنين، إن اندحار العدو من غزة كان بمثابة تأكيد متجدد على أن العدو أصم أذنيه عن سماع لغة غير المقاومة والقوة.

الوهم المتبدد

حيث استهدفت المقاومة ( ألوية الناصر , كتائب القسام , جيش الإسلام ) موقعاً لجيش الاحتلال على الحدود الشرقية لمدينة رفح جنوب قطاع غزة، والتي نفذت في الخامس والعشرين من شهر يونيو عام 2006،وقد تمكن المقاومون خلال العملية من أسر الجندي جلعاد شاليط وقتل جنديين صهاينة وإصابة ستة آخرين.

فيما جرى عملية تبادل الأسرى بإطلاق سراح 1027 أسيراً فلسطينياً من سجون الاحتلال مقابل شاليط بعد خمس سنوات من احتفاظ المقاومة بشاليط، وذلك بعد فشل الاحتلال بكل أجهزته بما فيها المخابرات في الحصول عليه

حرب الفرقان

ولم يتوقف ابتكار المقاومة عند حد معين بل كشفت عن المزيد من الأسلحة الأكثر تطوراً التي أفشلت العدوان على غزة عام 2008-2009 وأجبرت قادة العدو على وقف إطلاق النار من جانب واحد دون تحقيق أي من أهداف الحرب، وكان من ابرزها صواريخ “غراد” و قذائف “RPG-29 و Tandem وصواريخ من عيار 107ملم”.

ضربات موجعة

مع تكرر التوغلات الصهيونية في مناطق متفرقةٍ من قطاع غزة واستخدامها للدبابات الأكثر تحصينا في المنطقة، والتي كانت تشكل غطاءً حصيناً للجنود، وجدت المقاومة ضرورة تطوير عبواتٍ ناسفةٍ "عبوات الخرق"، ولقد كان أول استخدام مؤثر لهذه العبوات بتاريخ 2003/02/15م والذي أدى في حينه إلى تدمير دبابةٍ قرب مغتصبة “دوغيت” شمال غرب بيت لاهيا ومقتل أربعة جنود كانوا بداخلها.

 

بدورها استطاعت المقاومة الفلسطينية توجيه عدة ضربات لبعض آليات ومدرعات العدو، مستخدمةً في ذلك الصواريخ الموجهة بالليزر "Kornet" وغيره من الصواريخ، التي أثبتت فعاليتها بشكل كبير.

حرب الأيام الثمانية

كشفت قدرات المقاومة في المواجهة التي خاضتها أثناء التصدي للعدوان الصهيوني في حرب الأيام الثمانية من العام الفائت عن التقدم والتطور في فكر وأساليب أجنحة المقاومة الفلسطينية التي فاجأت الاحتلال بسلسلة عمليات  وأسلحة نوعية على أكثر من صعيد.

ويبدو إن المقاومة استخلصت الدروس واستفادت من تجربتها في حرب الفرقان 2008-2009 واستطاعت إن تستعد للمواجهة التالية .

فقد أثبتت معركة الأيام الثمانية أن المقاومة في قطاع غزة لم تتوقف عن العمل منذ حرب الفرقان، ولم تغادر مربع المقاومة، بل كانت تستعد إلى يوم مفاصلة قادم لا محالة، حيث استخدمت المقاومة في هذه المعركة سلاح الصواريخ دون غيره من أسلحة المقاومة.

استخدام كثيف وبشكل غير مسبوق لصواريخ استُخدمت على نطاق ضيق في حرب الفرقان، مثل صواريخ (غراد)، وصواريخ (107)، استخدمت المقاومة - ولأول مرة في تاريخ الصراع-صواريخ (فجر 5)، وصواريخ محلية الصنع من نوع (M75) ، التي بلغ مداها أكثر من 75 – 85 كم.

أيضًا ولأول مرة تستهدف المقاومة ما يزيد على عشر طائرات حربية بمختلف أنواعها، وتمكنت من إسقاط أربع طائرات مختلفة، وبدورها امتلكت المقاومة قدرة نفسية عالية على القتال، إذ أقدمت على ضرب مدن رئيسة يحتلها العدو، مثل: تل الربيع والقدس و(رمات غان) و(هيرتسيليا) .

ابرز عناصر التطور من رؤية محللون صهاينة

ومن ابرز عناصر التطور التي رصدها المحللون العسكريون الصهاينة قدرة عناصر المقاومة من إطلاق الصواريخ بمديات جديدة دون إن تتمكن طائرات الاحتلال وأجهزة الرصد المختلفة من رصدهم واصطيادهم.

وفي هذا السياق أشارت مصادر صهيونية إلى أنهم رصدوا آليات جديدة في إعداد وإطلاق الصواريخ والتحكم بها عن بعد, وان المقاتلين لديهم القدرة على شحن منصات الإطلاق مجددا بشكل سري دون إن تتمكن طائرات الاحتلال من قصفهم, وما يؤكد ذلك العدد القليل من المقاومين الذين تم استهدافهم خلال الحرب الأخيرة 2012 في حين إن جل الشهداء من المدنيين.

ويعترف المراقبين والخبراء الصهاينة بفشل سلاح الجو وأجهزة الأمن الصهيونية في تعقب واستهداف مواقع إطلاق الصواريخ, وان المقاومة جهزت نفسها لخوض حرب استنزاف طويلة مستفيدة من دروس "الرصاص المصبوب".

إما التطور الأخر الذي ظهر في المواجهة كان قدرة المقاومة على تحديث أنظمة التحكم والاتصال الداخلية, حيث نجح الاحتلال خلال حرب الفرقان من ضرب أنظمة اتصال المقاومة,  لكنه أصبح عاجز عن مجرد التشويش عليها في الحرب الأخيرة , الأمر الذي منح المقاومة هامش حرية في الاتصال والمناورة بثقة عالية.

وفي ظل الإخفاق ألاستخباري والعسكري خصوصا فيما يتعلق ببنك أهداف ضرب المقاومة تعكف المستويات العسكرية في دولة الاحتلال دراسة وتقييم أساليب ووسائل المقاومة الجديدة التي أظهرت تفوقا عاليا على احتلال مقارنة بتواضع إمكانياتها مقابل قدرات اقوي دولة في الشرق الأوسط من حيث التسليح والتقنيات العسكرية الأحدث في المنطقة.

وتظهر نتائج الغارات الصهيونية على القطاع إن سلاح الجو الصهيوني استنفذ أهدافه ولم يعد بالإمكان تقديم أي جديد على هذا الصعيد ما يدفع الاحتلال إلى خيار صعب وهو الانتقال إلى المرحلة التالية وهي التدخل البري وهو ما يحاول قادة حكومة الاحتلال تجنبه ولا يمكن توقع المفاجأة التي يمكن إن تواجهها من المقاومة عند الأقدام على مثل هكذا خطوة .

وتبقى تكتيكات وتطور قدرات المقاومة علامة فارقة في الحرب الأخيرة سوف تلقي بظلالها على أي جهود سياسية لاحقا وستعيد تريب قواعد الردع المتبادل على أسس جديدة.

لقد أثبتت الحرب الأخيرة على قطاع غزة أن فصائل المقاومة في قطاع غزة لم تكن نائمة منذ حرب الفرقان، ولم تغادر مربع المقاومة، بل كانت تستعد إلى يوم مفاصلة قادم لا محالة.

 ويمكن تلخيص أهم مظاهر هذه التطورات الجديدة في :

1-      لم يشعر أحد بأي إرباك في سلوك حركات المقاومة في غزة، باستثناء الإجراءات الأمنية المشددة التي تقتضيها ظروف المواجهة.

2- استخدام سلاح الصواريخ دون غيره من أسلحة المقاومة، وهو لا يشكل نسبة مئوية ذات بال لدى قوى المقاومة.

3- إطلاق كثيف للصواريخ من قبل فصائل المقاومة مجتمعة فور استهداف قائد كتائب القسام الشهيد أحمد الجعبري بمائة صاروخ، تلاها 527 صاروخًا في اليوم التالي. وهذا أعلى معدل إطلاق صواريخ يُطلق في يوم واحد في تاريخ الشعب الفلسطيني .

4- استخدام كثيف وبشكل غير مسبوق لصواريخ استُخدمت على نطاق ضيق في حرب الفرقان، مثل صواريخ (غراد)، وصواريخ (107) .

5- استخدمت المقاومة _ولأول مرة في تاريخ الصراع الفلسطيني – الصهيوني _ صواريخ (فجر5)، وصواريخ محلية الصنع من نوع (M75) ، التي بلغ مداها أكثر من 75 – 85 كم.

6- أيضًا ولأول مرة تستهدف المقاومة ما يزيد على عشر طائرات حربية بمختلف أنواعها، وتمكنت من إسقاط بعضها.

7- أظهرت المقاومة قدرة غير مسبوقة على تسديد صواريخها نحو أهداف أكثر أهمية وأكثر دقة مما كانت عليه.

8- امتلكت المقاومة قدرة نفسية عالية على القتال، إذ أقدمت على ضرب مدن رئيسة يحتلها العدو، مثل: تل الربيع والقدس و(رمات غان) و(هيرتسيليا) )

9- أظهرت المقاومة قدرات قتالية جديدة، إذ لم يعد بمقدور طائرات العدو وعملائه رصد مطلقي الصواريخ، بل أصبحت الصواريخ تُطلق بطريقة إلكترونية، وبتوجيهها عن بعد، وتبين أن معظمها انطلق من مخابئ تحت الأرض.

10- ولأول مرة أيضًا استهدفت المقاومة بارجة صهيونية في مياه غزة وتمكنت من إصابتها.

11- من الواضح أن المقاومة تمكنت من تضليل العدو فيما يتعلق بمخازنها ومنصاتها وأنفاقها؛ فقد جرّب العدو تكرار القصف على أراض فارغة يعتقد _وفق معلوماته الاستخباراتية_ أنها تضم مخازن أو أنفاق أو منصات، ومع ذلك لم تتوقف المقاومة عن إطلاق صواريخها، وحافظت على كثافة نيران تنبئ بعدم تأثرها بضربات العدو المكثفة.

12- تنامت قدرة المقاومة على رصد أهداف العدو الثابتة والمتحركة، ثمّ استهدافها بصواريخ موجهة ودقيقة، كما حصل في استهداف (الجيب) العسكري شرق غزة بعمق 3 كم.

13- ظهر للجميع مدى التفاف الشعب الفلسطيني بجميع أطيافه حول كافة فصائل المقاومة، بعد أن حاولت بعض الجهات زعزعة الأمن الداخلي في حرب الفرقان.

هذه التطورات الجديدة تعني:

1- تصرفت المقاومة بمنتهى هدوء الأعصاب وبرباطة جأش تنم على ثقة عالية بالنفس.

2- كثافة إطلاق الصواريخ تعبير حقيقي عن ضخامة مخزون الصواريخ لدى فصائل المقاومة. وهكذا اكتشف العدو ما كان يبحث عنه، لكن اكتشافه المتأخر لا قيمة له لمصلحة العدو؛ لأن هذه الصواريخ التي زادت على 1500 صاروخ تقريبًا نزلت في ساحة العدو وكُوي بها.

3-  تكرار إطلاق صواريخ المدى البعيد يشير إلى امتلاك المقاومة الكثير منها تدخره لساعات أكثر شدة، وربما لديها ما هو أبعد مدى تدخره لتفاجئ به العدو في لحظة تقررها.

4- أصبحت المقاومة تمتلك قدرة على ردع نسبي لسلاح الطيران الصهيوني الذي كان يستفرد بسماء القطاع على مدار السنين والساعات.

5-  دقة التصويب ونوعية الأهداف التي استهدفتها صواريخ المقاومة تشير إلى القدرات القتالية التي اكتسبتها المقاومة خلال السنوات الماضية من الإعداد والتدريب، إذ لم تكن فصائل المقاومة في حالة سُبات في تلك السنوات، وإنما في حالة استعداد وإعداد حقيقي.

 

6-  الجرأة القتالية في استهداف المدن الرئيسة التي يغتصبها العدو أخذت منحنى تصاعديًّا، فقد تصبح هذه الجرأة مقدمة لخطوة أوسع منها، إذ من المحتمل أن تنتقل إلى عمليات تحرير مناطق بشكل فعلي. وربما هذا ما تحسَّب له العدو عندما كثّف آلياته العسكرية في (أسديروت) خشية أن تحررها المقاومة.

7- استفادت المقاومة من تجربة حزب الله في حرب 2006م في إخفاء منصاتها ومخازنها وأنفاقها، إذ كرر العدو استهداف أماكن يتوقعها، لكنه لم يتمكن من التأثير على قدرات المقاومة.

8- أصبح للمقاومة مخالب بحرية بمقدورها إيذاء القدرة البحرية للعدو، ويبدو أنها آخذة في التنامي.

9- أصبح الشعب الفلسطيني أكثر احتضانًا لمقاومته، وهذا عامل مهم في نجاح أي مقاومة.

10- لقد كانت معركة الأيام الثمانية فرصة (ولو مؤلمة) لتختبر المقاومة قدراتها المستجدة، إذ ليس بمقدورها إجراء مناورات حية كما تفعل الدول، وهكذا تحققت المقاومة من قدراتها، وحددت حاجاتها القادمة، ولا شك أنها ستكون أكثر إبداعًا بتوفيق الله تعالى.