الجوع في يومه الـ 12
بقلم : أمجد عرار
في اليوم الثاني عشر للإضراب عن الطعام، يدخل الأسرى الفلسطينيون والعرب مرحلة أكثر جدية على الصعيد الصحي، وعلى مستوى ردة فعل الاحتلال على الإضراب. في هذه المرحلة يكون المضرب قد فقد الكمية الكبرى من السوائل والدهون ليبدأ التآكل اللحمي يجتاح جسده، وتتزايد ظاهرة تساقط الشعر على شكل كتل لم يعتد على مثلها في أي ظرف آخر. تترافق مع كل هذه الأعراض زيادة في الترهل والهزال العام، بحيث يشعر أن قدميه غير قادرتين على حمله، بل يصبح تحريك الأطراف مهمّة فيها معاناة، وتتطلب الترشيد عندما يكون الإضراب مفتوحاً.
مع الوصول لهذه الدرجة من غياب الطعام ونقص التغذية للدماغ تنتاب الأسير المضرب حالة من فقدان التوازن، بحيث يصبح قضاء الحاجة عملية تتم على مراحل تفصل بينها فترات زمنية، النهوض من حالة الاستلقاء على الظهر، التريّث ثم إنزال القدمين عن السرير، الانتظار للحظات ثم الإمساك بشيء ثابت قبل الوقوف، فترة أخرى من الانتظار وقوفاً إلى حين التأكد من امتلاك التوازن وحشد القوى للمشي.
لكن معاناة الجسد ليست كل شيء، فالإدارات الاحتلالية تعمد مباشرة بعد تبلّغها ببدء الإضراب إلى سحب كل الإنجازات التي تحققت بالجوع والألم في المعارك النضالية السابقة، فهي تسحب الراديو وتوقف السماح بدخول الصحف، بهدف عزل الأسرى عن العالم الخارجي، وإشعارهم أنهم معزولون ولا أحد يتذكّرهم أو يسأل عنهم. فوق ذلك تتفنن إدارات السجون في أساليب الاستفزاز والقهر، استناداً لفهمها لمشاعر المضربين، منها أن تأتي بأشخاص يعمدون للطرق على الحديد لإصدار أصوات مزعجة لآذان الأسرى في لحظة تزداد فيها الحساسية للأصوات بسبب الجوع، كما تأتي بأشخاص يشوون اللحوم ويقلون خضراوات تصدر عنها روائح بهدف اللعب بمشاعر الجائعين.
من مخزون التجربة الطويلة يتضح أن إدارات سجون الاحتلال والهيئة العليا لها والمسماة "مصلحة السجون"، تستنسخ أساليبها ذاتها في التعامل مع الأسرى المضربين وكلها أساليب فاشلة، حيث لم تنجح مرة واحدة في كسر إرادة فرسان امتشقوا أسلحة الأمعاء الخاوية، باعتبارها الوحيدة القادرة على جسر الهوة في موازين القوى بين سجانين مدجّجين، وأسرى عزّل سوى من أمعائهم وإرادتهم وتلاحمهم الفولاذي. لم يحدث في تاريخ الحركة الأسيرة أن كسرت هذه الإجراءات أي إضراب أو خطوة نضالية شبيهة، بل خلافاً لذلك تكلّلت كل المعارك النضالية التي خاضتها الحركة الأسيرة بالانتصار المتمثّل بتحقيق معظم المطالب التي يخاض الإضراب لأجل تحقيقها.
أما لماذا تكرر إدارات السجون أساليب فشلت سابقاً، فإن الإجابة مرتبطة بالسادية التي تستبد بعقلية الصهاينة، حيث إنهم يستعذبون رؤية الأسرى يدفعون من صحّتهم ثمن أي شيء يحصلون عليه، كما أن الإضراب عن الطعام يترك آثاراً سلبية مزمنة على صحّة الأسرى قد تؤدي إلى موت بعضهم بعد حين، وفي هذا اغتيال غير مباشر يعفي الاحتلال من المسؤولية، ولو بمستواها اللفظي المعبر عنه ببيانات عابرة وخجولة من بعض الجهات الحقوقية والعواصم.
اليوم الثاني عشر في معركة الجوع ينطوي ليدخل الأسرى في مرحلة فقدان الإحساس بالزمن والتوقّف عن عد الأيام المتشابهة تماماً، إلا في مستوى الألم الذي يكبر والإرادة التي تزداد صلابة. لكن العالم المنافق لا يلتفت إلى أمعاء بلا رصيد في البنوك، ولا قابلية لديها لتدفع لأحد من مخزون الكرامة، مقابل استقبالها بعض الطعام.
لو كان في هذا العالم ضمير حي لما مات أبرياء، ولو كانت جعبته مملوءة بالعدالة لما كانت هناك حاجة لأمعاء خاوية.
صحيفة الخليج الإماراتية